متى تنجح الجمعيات في التقييم الذاتي للحوكمة؟

" التقييم الذاتي ليس مجرد موعد سنوي لرفع البيانات إلكترونياً، بل فرصة متجددة لإعادة اكتشاف المؤسسة، وتعزيز نقاط قوتها، وتصحيح مسارها، وبناء مستقبل أكثر استدامة وفاعلية في خدمة المجتمع. "

د حنان درويش عابد

 

تُشبه الحوكمة في الجمعيات الأهلية المرآة؛ فهي لا تصنع الواقع، لكنها تكشفه. ومن هنا تنبع أهمية التقييم الذاتي للحوكمة، الذي يمثل فرصة سنوية للتأمل المؤسسي ومراجعة الممارسات الإدارية والمالية والتنظيمية في ضوء معايير الحوكمة المعتمدة من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

 

وعلى الرغم من أن نتائج التقييم تُرفع إلكترونياً عبر المنصة المخصصة لدى المركز، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في عملية الرفع ذاتها، بل في رحلة المراجعة التي تسبقها. فالتقييم الذاتي ليس غاية، بل وسيلة لفهم واقع الجمعية وتحديد المسافة بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون.

 

كيف تنفذ الجمعية التقييم الذاتي؟

 

يبدأ التقييم الفعّال بتشكيل فريق عمل داخلي يضم ممثلين من مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والجهات ذات العلاقة. ويُفضَّل أن يُنظر إلى المهمة باعتبارها مشروعاً للتحسين المؤسسي لا مجرد استيفاء لمتطلبات تنظيمية.

 

وتتمثل الآلية العملية في عدة مراحل:

 

أولاً: مراجعة المعايير والمؤشرات
يتم الاطلاع على مؤشرات الحوكمة ومتطلباتها، وفهم الأدلة المطلوبة لكل مؤشر قبل البدء في عملية التقييم.

 

ثانياً: جمع الأدلة والوثائق
تشمل السياسات واللوائح المعتمدة، ومحاضر الاجتماعات، والقرارات الإدارية، والتقارير المالية، والإفصاحات المنشورة، وغيرها من الوثائق التي تثبت تحقق المؤشرات.

 

ثالثاً: قياس مستوى الالتزام
تتم مقارنة الواقع الفعلي للجمعية بمتطلبات المؤشرات، وتحديد جوانب القوة والفجوات القائمة بصورة موضوعية.

 

رابعاً: معالجة الفجوات
قبل رفع التقييم، تعمل الجمعية على استكمال النواقص وتحديث السياسات والإجراءات وتحسين الممارسات التي تحتاج إلى تطوير.

 

خامساً: الرفع الإلكتروني
بعد اكتمال المراجعة وتجهيز الأدلة، يتم إدخال البيانات وإرفاق المستندات عبر منصة الحوكمة التابعة للمركز الوطني.

 

متى تكون الجمعية قادرة على التقييم الذاتي بنفسها؟

 

تستطيع الجمعية إدارة عملية التقييم ذاتياً عندما تمتلك:

 

  • إدارة تنفيذية مؤهلة وملمة بمعايير الحوكمة.
  • سياسات وإجراءات موثقة ومحدثة.
  • نظاماً واضحاً لحفظ الأدلة والوثائق.
  • خبرة سابقة في تنفيذ التقييمات الدورية.
  • مجلس إدارة يمارس أدواره الرقابية بفاعلية.

 

في هذه الحالة يكون دور التقييم الذاتي جزءاً من منظومة العمل المؤسسي المعتادة.

 

ومتى تحتاج الجمعية إلى مكتب استشاري؟

 

الاستعانة بمكتب استشاري لا تعني ضعف الجمعية، بل قد تكون مؤشراً على وعيها بأهمية الرأي المهني المستقل. وتبرز الحاجة إلى الدعم الاستشاري في عدد من الحالات، منها:

  • عند تنفيذ التقييم للمرة الأولى.
  • عند انخفاض نتائج الحوكمة في الأعوام السابقة.
  • عند وجود ملاحظات متكررة أو فجوات جوهرية.
  • عند تحديث اللوائح والسياسات المؤسسية.
  • عند الرغبة في بناء منظومة حوكمة متكاملة ومستدامة.
  • عند الحاجة إلى مراجعة مستقلة ومحايدة للواقع المؤسسي.
  • عند محدودية الخبرات الداخلية المتخصصة في الحوكمة.

 

فالمستشار لا يقتصر دوره على تعبئة النماذج أو تجهيز الأدلة، بل يساعد الجمعية على فهم فلسفة الحوكمة، وتحويل المتطلبات إلى ممارسات مؤسسية راسخة تسهم في رفع الكفاءة وتحقيق الاستدامة.

 

ما بين الامتثال والتميز

 

الفرق بين جمعية تحقق الحد الأدنى من المتطلبات، وأخرى تحقق التميز المؤسسي، لا يكمن في عدد الوثائق أو النماذج، بل في طريقة النظر إلى الحوكمة نفسها. فحين تُعامل الحوكمة كالتزام موسمي، تصبح عبئاً إدارياً. أما حين تُعامل كمنهج عمل، فإنها تتحول إلى أداة للتطوير وصناعة الأثر.

 

ومن هنا فإن التقييم الذاتي ليس مجرد موعد سنوي لرفع البيانات إلكترونياً، بل فرصة متجددة لإعادة اكتشاف المؤسسة، وتعزيز نقاط قوتها، وتصحيح مسارها، وبناء مستقبل أكثر استدامة وفاعلية في خدمة المجتمع.

 

شارك المنشور

مقالات اخرى