د حنان درويش عابد
في كل عام تستعد الجمعيات الأهلية لرفع نتائج التقييم الذاتي للحوكمة عبر المنصة الإلكترونية التابعة للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وتبدأ رحلة مراجعة المؤشرات وتجهيز الأدلة واستكمال الوثائق المطلوبة. وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراءً تنظيمياً مرتبطاً بموعد محدد، فإن جوهر التقييم الذاتي يتجاوز ذلك بكثير؛ فهو فرصة حقيقية للتأمل المؤسسي ومراجعة واقع الجمعية وقدرتها على تطبيق مبادئ الحوكمة في ممارساتها اليومية.
فالحوكمة ليست مجموعة من النماذج التي تُستكمل أو الملفات التي تُرفع إلكترونياً، وإنما منظومة متكاملة تهدف إلى تعزيز الامتثال والشفافية والسلامة المالية، وضمان أن تعمل الجمعية وفق أسس مؤسسية واضحة تحقق رسالتها بكفاءة واستدامة. ومن هنا جاء دليل التقييم الذاتي للجمعيات الأهلية ليؤكد أن المعيار الحقيقي لا يكمن في وجود الوثائق بحد ذاتها، بل في مدى انعكاسها على الواقع العملي للمؤسسة.
فالسياسة المعتمدة لا تكتسب قيمتها من توقيعها أو حفظها في ملف إلكتروني، وإنما من تطبيقها. واللائحة لا تحقق هدفها بمجرد اعتمادها، بل عندما تصبح مرجعاً فعلياً للقرارات والإجراءات. كما أن الإفصاح لا يُقاس بعدد المنشورات أو التقارير المنشورة، بل بقدرة الجمعية على بناء الثقة من خلال الشفافية والوضوح والمساءلة.
ويعتمد دليل التقييم الذاتي على ثلاثة محاور رئيسية تشكل أساس الحوكمة في الجمعيات الأهلية. يتمثل المحور الأول في الامتثال والالتزام، الذي يقيس مدى التزام الجمعية بالأنظمة واللوائح والمتطلبات النظامية المنظمة لعملها. أما المحور الثاني فهو الشفافية والإفصاح، الذي يركز على وضوح المعلومات وإتاحتها لأصحاب العلاقة. بينما يتناول المحور الثالث السلامة المالية، من خلال التأكد من وجود الضوابط والإجراءات التي تكفل إدارة الموارد المالية بكفاءة وتحافظ على أصول الجمعية واستدامتها.
وعند التأمل في هذه المحاور الثلاثة يتضح أن التقييم الذاتي لا يبدأ عند الدخول إلى المنصة الإلكترونية، بل يبدأ قبل ذلك بوقت طويل. يبدأ عندما تُعقد اجتماعات مجلس الإدارة بانتظام، وتُحدّث السياسات واللوائح بصورة دورية، وتُوثّق القرارات، وتُمارس الرقابة المالية بفاعلية، وتُدار العمليات المؤسسية وفق منهجية واضحة. عندها يصبح رفع الأدلة خطوة توثيقية لواقع قائم، وليس محاولة متأخرة لاستكمال متطلبات موسمية.
ومن التجارب العملية في القطاع غير الربحي، يتبين أن التحدي الأكبر لا يكمن في إدخال البيانات أو رفع المستندات، بل في بناء منظومة مؤسسية قادرة على إنتاج تلك الأدلة بصورة طبيعية ومستدامة. فالجمعية التي تتبنى الحوكمة كثقافة عمل تجد أن عملية التقييم الذاتي تسير بسلاسة، بينما تواجه الجمعيات التي تؤجل أعمال الحوكمة حتى اقتراب موعد التقييم صعوبات متكررة في استكمال المؤشرات وتوثيق الممارسات.
وفي هذا السياق، تختلف احتياجات الجمعيات بحسب مستوى نضجها المؤسسي. فبعض الجمعيات تمتلك الكفاءات والخبرات الداخلية القادرة على إدارة عملية التقييم الذاتي بكفاءة، بينما تحتاج جمعيات أخرى إلى الاستعانة بمكاتب استشارية متخصصة، خصوصاً عند تنفيذ التقييم للمرة الأولى، أو عند وجود فجوات متكررة في نتائج الحوكمة، أو عند الحاجة إلى تطوير السياسات واللوائح والإجراءات المؤسسية.
ولا ينبغي النظر إلى المستشار باعتباره جهة تساعد على استكمال النماذج أو تجهيز الأدلة فقط، بل شريكاً مهنياً في رحلة التطوير المؤسسي. فالمستشار المتخصص يبدأ بتشخيص الواقع وتحليل الفجوات بين الممارسات الحالية ومتطلبات الحوكمة، ويساعد على بناء السياسات والإجراءات وتطوير الأنظمة الرقابية وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي. كما يساهم في نقل المعرفة وتطوير قدرات مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية، بما يضمن استدامة الممارسات المؤسسية واستمرار أثرها بعد انتهاء دورة التقييم.
إن القيمة الحقيقية للتقييم الذاتي لا تكمن في الدرجة التي تحققها الجمعية، وإنما في الأسئلة التي يدفعها إلى طرحها على نفسها: هل تعكس سياساتنا واقع ممارساتنا؟ هل نمتلك أنظمة رقابية فعالة؟ هل نوفر مستوى كافياً من الشفافية والإفصاح؟ وهل تقودنا إجراءاتنا الحالية إلى تحقيق رسالتنا التنموية بكفاءة واستدامة؟
عندما تتحول هذه الأسئلة إلى جزء من ثقافة العمل المؤسسي، يصبح التقييم الذاتي أكثر من مجرد التزام تنظيمي أو إجراء إلكتروني؛ يصبح مرآة ترى الجمعية من خلالها واقعها بوضوح، وبوصلة تساعدها على تحديد مسار التطوير، ومنصة للانتقال من الامتثال إلى التميز المؤسسي، ومن استيفاء المتطلبات إلى تعظيم الأثر المجتمعي.