بعد أن يغادر المستشار.. هل تستمر الجمعية في التطور؟

د. حنان درويش عابد

تتجه الجمعيات الأهلية إلى الاستعانة بالمكاتب الاستشارية لتطوير استراتيجياتها، وتعزيز حوكمتها، وتحسين أدائها المؤسسي، وبناء أنظمتها الإدارية والمالية. وتُعقد ورش العمل، وتُحلل البيانات، وتُصاغ الخطط، وتُعتمد السياسات والإجراءات، ثم تنتهي المهمة الاستشارية بتسليم مخرجاتها. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بعد إغلاق المشروع: ماذا تغير فعلًا داخل الجمعية؟

قد تمتلك جمعية أهلية خطة استراتيجية متكاملة، وهيكلًا تنظيميًا واضحًا، وأدلة للحوكمة، ومؤشرات أداء دقيقة، ومع ذلك تستمر في مواجهة التحديات الإدارية والتشغيلية نفسها التي دفعتها إلى طلب الاستشارة.

وهنا تظهر إشكالية لا تتعلق بالضرورة بجودة المخرجات الاستشارية، بل بالفجوة بين امتلاك أدوات التطوير والقدرة المؤسسية على استخدامها.

فالتطوير لا يحدث بمجرد اعتماد الوثائق، والحوكمة لا تتحقق بإقرار اللوائح، والتخطيط الاستراتيجي لا يصنع أثرًا لمجرد صياغة الأهداف والمبادرات، وإنما عندما تتحول هذه الأدوات إلى ممارسات يومية تؤثر في القرارات، وترفع كفاءة الأداء، وتحسن جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.

ومن هنا يبرز سؤال ينبغي أن تطرحه كل جمعية قبل التعاقد مع مكتب استشاري: هل نبحث عمن يُعد لنا أدوات التطوير، أم عمن يساعدنا على امتلاك القدرة على التطوير؟

إن الفرق بين السؤالين يتجاوز الصياغة؛ لأنه يكشف عن فلسفتين مختلفتين في التعامل مع الاستشارات الإدارية. الأولى تنظر إلى الاستشارة بوصفها مشروعًا ينتهي بتسليم مخرجات محددة، بينما تنظر الثانية إليها باعتبارها فرصة لبناء المعرفة والقدرات وتغيير الممارسات المؤسسية.

وفي بيئة الجمعيات الأهلية، تزداد أهمية هذا التمييز؛ نظرًا إلى طبيعة عملها، وتنوع مواردها، وتفاوت قدراتها البشرية والتنظيمية، وارتباط نجاحها بتحقيق أثر اجتماعي يتجاوز المؤشرات التشغيلية التقليدية.

فالجمعية لا تحتاج إلى استراتيجية جميلة الصياغة بقدر حاجتها إلى استراتيجية تستطيع تنفيذها، ولا تحتاج إلى مؤشرات أداء كثيرة بقدر حاجتها إلى مؤشرات تساعد قياداتها على اتخاذ قرارات أفضل، كما أن الحوكمة الحقيقية لا تُقاس بعدد السياسات المعتمدة، بل بمدى انعكاسها على وضوح الصلاحيات، وسلامة القرارات، وكفاءة الرقابة والمساءلة.

ولعل من أبرز التحديات التي قد تواجه بعض الجمعيات أن المشروعات الاستشارية تُنفذ بمعزل عن المشاركة الفعلية للعاملين، فتُبنى الحلول داخل الاجتماعات وورش العمل، بينما يظل من سيطبقونها لاحقًا بعيدين عن فهم منطلقاتها ومتطلباتها.

وحين ينتهي المشروع، تجد الجمعية نفسها أمام مجموعة من الأدلة والنماذج والإجراءات التي تتطلب خبرات لم تُبنَ بعد داخل المؤسسة، فتبدأ الفجوة بين التصميم والتطبيق.

إن أخطر ما قد يحدث للجمعية ليس أن تفتقر إلى أدوات التطوير، بل أن تمتلك أدوات متقدمة تفوق قدرتها على استخدامها.

وهنا تتجلى مسؤولية مشتركة بين الجمعية والمكتب الاستشاري؛ فالمستشار مطالب بتقديم حلول واقعية تتناسب مع حجم الجمعية ومواردها ومستوى نضجها المؤسسي، بينما تتحمل قيادات الجمعية مسؤولية المشاركة في بناء تلك الحلول، وتوفير متطلبات تنفيذها، وتهيئة العاملين لتبنيها.

فليس من المنطقي أن تُصمم لجمعية صغيرة ذات موارد محدودة أنظمة إدارية معقدة تفوق قدرتها التشغيلية، كما لا يصح أن تتحول أفضل الممارسات إلى نماذج جاهزة تُنقل بين الجمعيات دون مراعاة اختلاف رسائلها وطبيعة خدماتها وخصائص المستفيدين منها.

إن القيمة الحقيقية للاستشارة لا تكمن في استنساخ نموذج إداري ناجح، بل في فهم واقع الجمعية وتصميم ما يناسبه من حلول قابلة للتنفيذ والتطوير.

ومن هنا، فإن التشخيص المؤسسي ينبغي أن يسبق بناء الأنظمة، وأن يتجاوز رصد أوجه القصور إلى فهم أسبابها، سواء ارتبطت بثقافة العمل، أو بضعف توزيع المسؤوليات، أو بمحدودية الموارد، أو بغياب المتابعة والمساءلة.

كما أن نقل المعرفة يجب ألا يكون نشاطًا تدريبيًا هامشيًا يُنفذ في نهاية المشروع، بل جزءًا أساسيًا من منهجيته منذ البداية، من خلال إشراك العاملين في إعداد المخرجات، وتدريبهم على تطبيقها، وتمكينهم من مراجعتها وتطويرها بصورة مستقلة.

ولا يعني ذلك أن نجاح الاستشارة مرهون باستغناء الجمعية نهائيًا عن الخبرات الخارجية؛ فالتخصصات الإدارية والمالية والتقنية تتطور باستمرار، وقد تحتاج الجمعيات إلى دعم متخصص في مراحل مختلفة. لكن الفارق كبير بين الاستعانة بالخبرة لتطوير القدرة المؤسسية، والاعتماد المتكرر عليها للقيام بمهام يفترض أن الجمعية أصبحت قادرة على أدائها.

وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح داخل المشروعات الاستشارية الموجهة للجمعيات الأهلية.

فهل يكفي أن تُسلَّم الخطة الاستراتيجية في موعدها؟ وهل يُعد مشروع الحوكمة ناجحًا بمجرد اعتماد اللوائح؟ وهل ينتهي تطوير الأداء عند تصميم مؤشرات القياس؟

أم أن النجاح الأعمق يظهر عندما تبدأ الجمعية باستخدام خطتها في توجيه مواردها، وتنعكس الحوكمة على قرارات مجلس إدارتها، وتصبح مؤشرات الأداء أداة لاكتشاف المشكلات ومعالجتها، وتتحسن قدرتها على قياس الأثر الاجتماعي لبرامجها؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تستدعي الانتقال من التركيز على اكتمال المخرجات إلى الاهتمام بفاعلية استخدامها، دون إغفال أن النتائج النهائية تتأثر بعوامل عديدة قد تتجاوز نطاق المشروع الاستشاري.

وفي ظل التطور الذي يشهده القطاع غير الربحي السعودي، تتعاظم الحاجة إلى تبني هذا المفهوم؛ فالمستقبل لا يتطلب جمعيات تمتلك وثائق تنظيمية متقدمة فحسب، بل مؤسسات أهلية قادرة على التخطيط والتنفيذ والتقييم والتكيف مع المتغيرات.

كما أن مجالس إدارات الجمعيات مطالبة بالنظر إلى الاستشارات الإدارية بوصفها استثمارًا في بناء القدرات المؤسسية، وليس مجرد تكلفة لتوفير متطلبات تنظيمية أو الحصول على مخرجات محددة.

ولعل أحد أهم المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار المكتب الاستشاري هو قدرته على الجمع بين المعرفة المتخصصة وفهم طبيعة العمل الأهلي، وتقديم حلول تتناسب مع واقع الجمعية، مع وجود منهجية واضحة لنقل المعرفة ودعم التطبيق.

فالجمعية الناجحة لا تكتفي بالحصول على الإجابات، بل تعمل على تطوير قدرتها على طرح الأسئلة الصحيحة، وتحليل التحديات، واتخاذ القرارات، ومراجعة نتائجها.

إن الاستشارة التي تترك خلفها ملفات منظمة قد تكون أنجزت التزاماتها التعاقدية، لكنها لا تحقق بالضرورة التحول المؤسسي المنشود؛ أما الاستشارة التي تترك داخل الجمعية معرفة راسخة، وقدرات متنامية، وممارسات أكثر نضجًا، فهي التي تؤسس لأثر قابل للاستمرار.

ويبقى السؤال الأهم أمام قيادات الجمعيات الأهلية: ماذا سيحدث بعد أن يغادر المستشار؟

هل ستبقى الخطط محفوظة في الملفات، والإجراءات حاضرة في الأدلة، والمؤشرات معروضة في التقارير؟ أم ستتحول هذه المخرجات إلى أدوات حقيقية تقود العمل، وتطور الأداء، وتعزز الأثر الاجتماعي؟

إن الإجابة لا تحدد نجاح المشروع الاستشاري وحده، بل تكشف أيضًا عن مستوى استعداد الجمعية لتحمل مسؤولية تطوير نفسها.

فالمستشار يستطيع أن يساعد الجمعية على بناء طريق التغيير، لكنه لا يستطيع أن يسير فيه بدلًا عنها.

وفي النهاية، ليست أفضل استشارة تلك التي تجعل الجمعية بحاجة دائمة إلى مستشارها، بل التي تجعلها أكثر قدرة على قيادة مستقبلها، وأكثر نضجًا في إدارة مواردها، وأكثر كفاءة في تحقيق رسالتها.

فحين يغادر المستشار وتستمر الجمعية في التطور، نكون أمام استشارة لم تكتفِ بتقديم الحلول، بل أسهمت في بناء القدرة على صناعتها.

شارك المنشور

مقالات اخرى