حين يفهم الذكاء الاصطناعي الاحتياج قبل أن يتحول إلى طلب

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقل القطاع غير الربحي من تقديم الخدمة إلى تطوير التجربة الإنسانية ؟

 

أ‌. قصي جمال عابد
ماجستير في (إدارة تقنية المعلومات – أمن المعلومات)

ماذا لو استطاعت المنظمة غير الربحية أن تعرف أن مستفيدًا قد يحتاج إلى خدمة معينة قبل أن يطلبها؟ وماذا لو تمكنت من اكتشاف أن فئة من المستفيدين تواجه صعوبة متكررة في الوصول إلى إحدى خدماتها، قبل أن تظهر المشكلة في عشرات الشكاوى؟ وماذا لو استطاعت أن تعرف أن برنامجًا ناجحًا اليوم يحتاج إلى التغيير قبل أن يبدأ أثره في التراجع؟

هذه ليست أسئلة عن مستقبل بعيد. إنها تعبر عن تحول يمكن أن يصنعه الذكاء الاصطناعي في القطاع غير الربحي. فالفرصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في أن يساعد الموظف على كتابة تقرير أسرع، أو تلخيص اجتماع، أو إعداد رسالة للمتبرعين. هذه فوائد مهمة، لكنها لا تمثل الإمكان الأكبر. الإمكان الأكبر هو أن يساعد المنظمة على فهم المستفيد بصورة أفضل، واتخاذ قرار أسرع، وتصميم خدمة أكثر دقة، وتحسين تجربته باستمرار. وهنا ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة لزيادة الإنتاجية إلى شريك في تطوير الخدمة نفسها. من خدمة موحدة إلى خدمة تفهم اختلاف الناس تواجه المنظمات غير الربحية تحديًا قديمًا: كيف تقدم خدمة لعدد كبير من المستفيدين مع المحافظة على فهم احتياج كل فرد؟ فالناس لا يتشابهون. قد يستفيد شخصان من البرنامج نفسه، لكن احتياجاتهما مختلفة تمامًا. قد يحتاج الأول إلى معلومات واضحة، والثاني إلى متابعة مستمرة، والثالث إلى مساعدة عاجلة، والرابع إلى الوصول إلى خدمة أخرى لا تقدمها المنظمة أصلًا. في النموذج التقليدي، يصعب اكتشاف كل هذه الفروق، خصوصًا عندما تخدم المنظمة آلاف المستفيدين. لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة فرق العمل على تحليل أنماط كبيرة من البيانات والملاحظات والاستفسارات والتجارب، ثم اكتشاف الفروق التي قد يصعب ملاحظتها يدويًا. وهنا تظهر قيمة كبيرة:
بدل أن نقدم الخدمة نفسها للجميع، نستطيع أن نبدأ في تقديم المسار الأنسب لكل مستفيد.

وهذا أحد أهم التحولات الممكنة في جودة الخدمات غير الربحية. المستفيد لا يريد خدمة فقط.. يريد تجربة أسهل
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الخدمة. المشكلة في صعوبة الوصول إليها. نماذج طويلة. تعليمات غير واضحة. أسئلة متكررة. تنقل بين جهات مختلفة. انتظار للحصول على إجابة بسيطة. أو عدم معرفة المستفيد بالخدمة التي تناسب حالته أساسًا. وهذه تفاصيل قد تبدو صغيرة داخل المنظمة، لكنها تشكل تجربة المستفيد كاملة. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إزالة جزء كبير من هذا التعقيد.
يمكن لمساعد ذكي أن يشرح الإجراءات بلغة بسيطة، ويجيب عن الأسئلة المتكررة، ويوجه المستفيد إلى الخدمة الأنسب، ويساعده في استكمال المعلومات، ويوفر الدعم بلغات أو مستويات معرفية مختلفة. والقيمة هنا ليست في «استبدال الإنسان».بل في العكس.

كلما تولت التقنية المهام المتكررة والبسيطة، أصبح لدى الموظف وقت أكبر للحالات التي تحتاج فعلًا إلى التعاطف والخبرة والحكم الإنساني. وبذلك يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي وسيلة لإعادة الإنسان إلى الجزء الأكثر إنسانية من العمل.

ماذا لو انتقلنا من الاستجابة إلى الاستباق؟

معظم الخدمات تعمل بطريقة بسيطة:
يظهر الاحتياج. ثم يصل الطلب. ثم تتحرك المنظمة. لكن ماذا لو تغير هذا النموذج؟
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المنظمات، عند توافر البيانات المناسبة والضوابط اللازمة، على اكتشاف المؤشرات المبكرة للاحتياج. على سبيل المثال، قد تظهر البيانات أن مجموعة من المستفيدين تبدأ في الانقطاع عن برنامج معين بعد مرحلة محددة. بدل انتظار انسحابهم، يمكن للمنظمة اكتشاف النمط مبكرًا والتواصل معهم أو إعادة تصميم تلك المرحلة.
وقد تكشف البيانات أن طلبات خدمة معينة ترتفع في فترة محددة من العام. بدل الانتظار حتى تبدأ الأزمة، تستطيع المنظمة زيادة جاهزيتها مسبقًا. وقد يظهر أن شريحة معينة من المستفيدين لا تصل إلى الخدمات بالدرجة نفسها التي تصل إليها شرائح أخرى. وهنا لا يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة فقط، بل يكشف سؤالًا ربما لم تكن المنظمة تسأله. وهذا هو التحول الأكثر إثارة:
من منظمة تستجيب للاحتياج إلى منظمة تتوقعه وتستعد له.

الذكاء الاصطناعي كأداة للاستماع
هناك استخدام آخر يستحق الاهتمام. المنظمات تجمع كميات هائلة من أصوات المستفيدين:
• ملاحظات.
• استبيانات.
• رسائل.
• مكالمات.
• شكاوى.
• اقتراحات.
• تقارير ميدانية.
لكن المشكلة أن جزءًا كبيرًا من هذه المعرفة يبقى موزعًا في ملفات وأنظمة مختلفة، وقد لا يجد أحد الوقت الكافي لقراءته وتحليله بصورة متكاملة.
الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة المنظمة في تحليل هذه الأصوات واكتشاف الموضوعات المتكررة والأسئلة الجديدة ومواطن التعثر. وهنا يمكن أن يتحول من أداة «تتكلم» مع المستفيد إلى أداة تساعد المؤسسة على الاستماع إليه بصورة أفضل. وهذه نقطة مهمة؛ لأن أفضل تطوير للخدمات لا يبدأ بالتقنية. بل يبدأ بسؤال بسيط: ماذا يقول لنا المستفيدون فعلًا؟
من قياس عدد الخدمات إلى فهم أثرها
كثير من المنظمات تستطيع الإجابة عن أسئلة مثل:
• كم شخصًا استفاد من البرنامج؟
• كم خدمة قدمنا؟
• كم دورة نفذنا؟
لكن الأسئلة الأصعب هي: هل تغيرت حياة المستفيد؟ أي جزء من الخدمة كان الأكثر أثرًا؟ من استفاد أكثر؟ ومن لم يستفد بالدرجة نفسها؟ ولماذا؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد فرق القياس والتطوير في الربط بين مصادر مختلفة للبيانات واكتشاف العلاقات والأنماط التي تساعد على فهم أثر البرامج بدرجة أعمق.
وبذلك يمكن أن يتغير الحوار داخل المنظمة. بدل السؤال: كم خدمة قدمنا؟ يصبح السؤال: كيف نجعل الخدمة القادمة أفضل من السابقة؟ وهذه نقلة مهمة؛ لأن جودة القطاع غير الربحي لا تقاس بحجم النشاط وحده، بل بقدرته على التعلم والتطوير.
حتى الموظف سيحصل على خدمة أفضل
حين نتحدث عن تطوير الخدمات، نفكر غالبًا في المستفيد الخارجي. لكن هناك مستفيدًا داخليًا أيضًا: الموظف. الموظف الذي يبحث في عشرات الملفات. أو يكتب التقارير المتكررة. أو يستخرج المعلومات من أنظمة مختلفة. أو يقضي ساعات في مهام إدارية كان يمكن إنجازها بصورة أسرع.
إذا استطاع الذكاء الاصطناعي تقليل هذا العبء، فإن المكسب الحقيقي ليس مجرد توفير الوقت. المكسب أن ينتقل وقت الموظف من العمل التشغيلي المتكرر إلى التفكير، والتواصل، والابتكار، والعلاقات الإنسانية. وهذه ربما تكون إحدى أهم فوائد الذكاء الاصطناعي للقطاع غير الربحي:
أن يمنح العاملين فيه مساحة أكبر لممارسة ما لا تستطيع الآلة أن تقوم به جيدًا: الفهم الإنساني.
المؤسسة الذكية ليست التي تستخدم أكبر عدد من الأدوات
لكن الحماس للتقنية يحتاج إلى اتجاه واضح. فالمنظمة المتقدمة ليست التي تشتري أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي. وليست التي تؤتمت أكبر عدد من العمليات. المنظمة الأكثر نضجًا هي التي تبدأ بالسؤال:
ما المشكلة التي نريد حلها للمستفيد؟ ثم تسأل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا؟ وبأي صورة؟ وكيف نعرف أن التجربة أصبحت أفضل فعلًا؟ هذا الترتيب مهم. لأن البدء بالأداة قد ينتج مشروعًا تقنيًا مثيرًا لكنه قليل القيمة. أما البدء باحتياج المستفيد فقد ينتج تحسينًا بسيطًا تقنيًا، لكنه يحدث فرقًا حقيقيًا في حياته.

فرصة مختلفة للقطاع غير الربحي
قد يبدو أحيانًا أن الشركات التجارية هي المستفيد الأكبر من الذكاء الاصطناعي لأنها تملك البيانات والموارد والميزانيات الأكبر. لكن القطاع غير الربحي يملك شيئًا مختلفًا: قربه من المشكلات الإنسانية الحقيقية.هذا يمنحه فرصة فريدة. فإذا اجتمع فهم الميدان مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل المعلومات واكتشاف الأنماط، يمكن أن تظهر نماذج جديدة للخدمة أكثر دقة واستباقية وشمولًا. وقد نصل إلى مرحلة لا يكون فيها نجاح المنظمة بعدد المستفيدين الذين استطاعت خدمتهم فقط، بل بمدى قدرتها على فهم احتياجاتهم قبل أن تتحول إلى عوائق أو أزمات.
السؤال القادم ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
ربما تجاوزنا هذا السؤال. السؤال الأهم هو: كيف نستخدمه لنقدم خدمة لم نكن قادرين على تقديمها بهذه الجودة من قبل؟ كيف نجعل رحلة المستفيد أقصر؟ كيف نكتشف احتياجه أسرع؟ كيف نخصص الخدمة بصورة أفضل؟ كيف نستمع إلى آلاف الأصوات دون أن يضيع صوت الفرد؟ كيف نتعلم من كل خدمة نقدمها حتى تصبح الخدمة التالية أفضل؟
هذه هي المساحة التي يمكن أن يصنع فيها الذكاء الاصطناعي قيمة حقيقية للقطاع غير الربحي. فمستقبل التقنية في هذا القطاع لن يكون أكثر إشراقًا عندما يصبح لدينا مزيد من الأنظمة الذكية. بل عندما تساعدنا هذه الأنظمة على بناء خدمات أكثر ذكاءً، ومنظمات أكثر تعلمًا، وتجربة أكثر إنسانية للمستفيد.
وفي النهاية، قد تكون أفضل نتيجة للذكاء الاصطناعي في القطاع غير الربحي نتيجة لا يشعر معها المستفيد بوجود الذكاء الاصطناعي أصلًا. بل يشعر بشيء أبسط بكثير:
أن المنظمة فهمته أسرع، وخدمته أفضل، وكانت أقرب إلى احتياجه.

شارك المنشور

مقالات اخرى