هل تصنع الجمعيات الأهلية الحلول أم تدير الاحتياج؟

د حنان درويش عابد

في عالم العمل الأهلي، اعتدنا أن نحتفي بالأرقام الكبيرة، فنقيس نجاح الجمعيات بعدد المستفيدين، وحجم المساعدات، واتساع نطاق الخدمات، وكأن الزيادة المستمرة في هذه المؤشرات تمثل الدليل الأوضح على نجاح العمل المؤسسي. غير أن هذا التصور، رغم أهميته في قياس حجم النشاط، يترك سؤالًا جوهريًا بعيدًا عن دائرة النقاش: هل الغاية من العمل الأهلي أن يستمر المستفيد في الحصول على الخدمة، أم أن نساعده، متى كان ذلك ممكنًا، على الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الاستغناء عنها؟

هذا السؤال لا ينتقص من قيمة الجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعيات الأهلية، ولا يقلل من أهمية المساعدات التي تقدمها للفئات المحتاجة، لكنه يدعونا إلى مراجعة مفهوم النجاح ذاته. فثمة فرق بين جمعية تتوسع في تقديم خدماتها عامًا بعد عام، وجمعية تستطيع أن تحدث تغييرًا حقيقيًا ومستدامًا في حياة من تخدمهم. وقد تنجح المؤسسة في الأمرين معًا، لكن الخلل يبدأ عندما يصبح التوسع في النشاط غاية مستقلة عن النتائج التي يفترض أن يحققها.

إن أحد التحديات التي تواجه تطوير الجمعيات الأهلية لا يكمن بالضرورة في ضعف الموارد أو محدودية الإمكانات، بل في استمرار بعض المفاهيم التقليدية التي تحكم تصميم البرامج وتقييمها. فعندما تنظر الجمعية إلى المستفيد باعتباره متلقيًا دائمًا للخدمة، فإنها قد تنشئ، دون قصد، علاقة طويلة الأمد تقوم على تلبية الاحتياج أكثر مما تقوم على معالجة أسبابه. وهنا يصبح من الضروري أن نسأل: هل نعمل على تخفيف آثار المشكلة، أم نسعى إلى تغيير الظروف التي أدت إلى ظهورها؟

ولعل من المفارقات التي تستحق التأمل أن بعض الجمعيات قد ترى في ارتفاع أعداد المستفيدين مؤشرًا إيجابيًا مطلقًا، بينما قد تعكس هذه الزيادة، في بعض الحالات، استمرار المشكلة الاجتماعية أو الاقتصادية التي تعمل الجمعية على معالجتها. ولا يعني ذلك أن ارتفاع الأعداد دليل على الإخفاق، فقد يكون نتيجة اتساع نطاق الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، لكنه يؤكد أن الأرقام لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تُقرأ في ضوء الأثر الذي تحقق، لا في ضوء حجم النشاط وحده.

ومن هنا، فإننا بحاجة إلى الانتقال من التفكير في كيفية زيادة أعداد المستفيدين إلى التفكير في كيفية تغيير واقعهم. فالجمعية التي تقدم المساعدة لأسرة محتاجة تؤدي دورًا إنسانيًا مهمًا، لكنها تستطيع أن تضاعف أثرها عندما تدرس الأسباب التي تجعل تلك الأسرة بحاجة مستمرة إلى المساعدة، وتبحث عن الفرص المناسبة لتمكين أفرادها من تحسين أوضاعهم. وقد يكون الحل في التدريب أو التوظيف أو الإرشاد المالي أو الربط بجهات أخرى، وقد يكون في معالجة عوائق اجتماعية لا تستطيع المساعدة المالية وحدها تجاوزها.

غير أن هذا التحول يتطلب تغييرًا في طريقة بناء البرامج، وفي مفهوم العلاقة بين الجمعية والمستفيد. فليس من المنطقي أن نستمر في تصميم الحلول داخل المكاتب، ثم نفترض أنها تعبر بالضرورة عن الاحتياجات الفعلية لمن نعمل من أجلهم. إن المستفيد ليس مجرد رقم في قاعدة بيانات، ولا حالة اجتماعية في تقرير سنوي، وإنما إنسان يمتلك خبرة مباشرة بظروفه وتحدياته، وقد تكون لديه رؤية للحل أكثر واقعية من بعض التصورات المؤسسية. ولذلك فإن إشراكه في تصميم البرامج وتقييمها ينبغي ألا يكون إجراءً شكليًا، بل جزءًا أساسيًا من منظومة التطوير.

وإذا أردنا إحداث نقلة نوعية في قياس أثر الجمعيات الأهلية، فقد يكون من المفيد التفكير في مؤشر جديد يقيس قدرة البرامج على نقل المستفيد من الاعتماد المتكرر على المساعدة إلى مستوى أعلى من الاستقرار والاستقلال، وفق إمكاناته وظروفه. فبدلًا من الاكتفاء بالإعلان عن عدد الأسر التي حصلت على الدعم، يمكن أن نتساءل عن عدد الأسر التي تحسنت أوضاعها بصورة مستدامة، وعدد الأفراد الذين اكتسبوا مهارات جديدة، وعدد المستفيدين الذين أصبحوا قادرين على مواجهة احتياجاتهم الأساسية دون العودة المتكررة إلى نقطة البداية.

ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الاستقلال لا تعني تجاهل حقيقة أن بعض الفئات تحتاج إلى رعاية مستمرة، وأن ظروف الإعاقة والمرض والتقدم في العمر وغيرها قد تجعل استمرار المساندة ضرورة إنسانية واجتماعية. ولا يصح أن يتحول مفهوم التمكين إلى ضغط على المستفيد أو إلى مبرر لتقليص حقوقه في الرعاية. فلكل فئة طبيعة مختلفة من الاحتياجات، ولكل برنامج معايير نجاح ينبغي أن تنطلق من واقعه وأهدافه. وقد يكون الإنجاز الأكبر لبعض الجمعيات هو المحافظة على جودة حياة المستفيد وكرامته واستقراره، لا إنهاء علاقته بالخدمة.

إن التطوير الذي نحتاج إليه في القطاع الأهلي لا ينبغي أن ينحصر في تحديث الأنظمة التقنية، أو إعادة بناء الهياكل التنظيمية، أو تحسين أساليب تنمية الموارد، على أهمية كل ذلك. فهذه الأدوات قد تجعل الجمعية أكثر كفاءة في أداء أعمالها، لكنها لا تضمن بالضرورة أن تصبح أكثر قدرة على إحداث التغيير. والتحدي الحقيقي هو أن نمتلك الشجاعة المؤسسية لمراجعة الأسئلة التي نبني عليها قراراتنا، وأن ننتقل من الاهتمام بما تقدمه الجمعية إلى الاهتمام بما يتغير في حياة الإنسان نتيجة لما تقدمه.

ولعل الفرصة الأهم أمام مجالس إدارات الجمعيات وقياداتها التنفيذية تتمثل في إعادة النظر في مفهوم الإنجاز المؤسسي. فليس كل برنامج يستمر سنوات طويلة دليلًا على النجاح، وليس كل برنامج ينتهي دليلًا على الإخفاق. فقد يكون إنهاء برنامج بعد تحقيق أهدافه أكثر قيمة من استمراره دون أثر واضح، كما قد يكون انتقال المستفيد من مرحلة تلقي المساعدة إلى مرحلة المشاركة في تقديمها أحد أعمق أشكال النجاح الاجتماعي.

وفي تقديري، فإن مستقبل الجمعيات الأهلية لن تصنعه المؤسسات الأكثر قدرة على التوسع وحدها، وإنما تلك التي تستطيع أن تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع، وأن تنظر إلى المستفيد باعتباره شريكًا في صناعة الأثر، لا مجرد متلقٍ للخدمة. فالمؤسسة الناجحة ليست التي تجعل المجتمع أكثر ارتباطًا بخدماتها فحسب، بل التي تسهم في جعله أكثر قدرة على مواجهة تحدياته، وأكثر امتلاكًا للحلول التي يحتاجها.

وربما نحتاج في تقاريرنا السنوية المقبلة إلى مساحة لا نحتفي فيها فقط بمن وصلنا إليهم، بل بمن تغيرت حياتهم، وبمن تجاوزوا احتياجهم إلينا، وبمن أصبحوا قادرين على مساعدة غيرهم. عندها سننتقل من ثقافة قياس ما نقدمه إلى ثقافة قياس ما نصنعه من تحول.

فالقيمة الحقيقية للجمعية الأهلية لا تقاس بطول المدة التي يبقى فيها المستفيد محتاجًا إليها، وإنما بعمق الأثر الذي تتركه في حياته؛ حتى وإن كان أعظم هذا الأثر أن يصبح يومًا قادرًا على الاستغناء عن خدماتها.

شارك المنشور

مقالات اخرى