د. سامي عبيد سالم المشراف
يُعد القطاع غير الربحي أحد أهم القطاعات الداعمة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وقد حظي باهتمام كبير في المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية 2030، باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأثر الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، تم إنشاء المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي بقرار مجلس الوزراء رقم (459) بتاريخ 11/8/1440هـ، ليكون جهة تنظيمية تعمل على تطوير وتمكين هذا القطاع من خلال الأطر التشريعية والمالية والإدارية المناسبة.
تكتسب المحاسبة في القطاع غير الربحي أهمية كبيرة، فهي لا تقتصر على تسجيل العمليات المالية فقط، بل تُعد أداة أساسية لضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة مع المانحين والجهات الرقابية. كما تساعد المحاسبة في تحسين جودة القرارات المالية والإدارية، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وقياس الأثر الاجتماعي للبرامج والمشروعات التي تنفذها الجمعيات.
ونظرًا للحاجة إلى تنظيم العمل المحاسبي في هذا القطاع، أصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية دليل الحسابات الموحد للجمعيات الأهلية عام 2019م، بهدف توحيد الممارسات المحاسبية، وتأهيل المحاسبين للعمل وفق أسس ومعايير واضحة تتناسب مع طبيعة القطاع غير الربحي. ويُعرف هذا الدليل بأنه بيان يتضمن أسماء وأرقام الحسابات التي يتكون منها النظام المحاسبي، حيث يتم تصنيف الحسابات إلى مجموعات رئيسية وفرعية وتحليلية وفق مستويات مختلفة.
وقد روعي عند إعداد هذا الدليل عدد من المعايير المهمة، من أبرزها المعايير المحاسبية للمنشآت غير الهادفة للربح الصادرة عن الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، بالإضافة إلى نظام “قوائم” الذي يتيح رفع القوائم المالية إلكترونيًا، وكذلك التصنيفات المعتمدة من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. كما يهدف الدليل إلى توحيد أسماء الحسابات وترميزها، وتسهيل إعداد التقارير المالية، ودعم بناء شجرة الحسابات في الأنظمة المحاسبية المستخدمة داخل الجمعيات.
وتختلف القوائم المالية بين القطاعات الثلاثة في المملكة، حيث يعتمد القطاع غير الربحي على قائمة المركز المالي، وقائمة الأنشطة التي توضح الفائض أو العجز، بالإضافة إلى قائمة التدفقات النقدية. بينما يعتمد القطاع الحكومي على قائمة المركز المالي وقائمة الأداء المالي وقائمة التدفقات النقدية، في حين يعتمد القطاع الخاص على قائمة المركز المالي وقائمة الدخل وقائمة التدفقات النقدية. ويعكس هذا الاختلاف طبيعة كل قطاع وأهدافه، حيث يركز القطاع غير الربحي على الاستدامة وتحقيق الأثر الاجتماعي بدلاً من الربح.
كما يتكون دليل الحسابات الموحد في الجمعيات الأهلية من مجموعات رئيسية تشمل قائمة المركز المالي التي تضم الأصول والالتزامات وصافي الأصول، بالإضافة إلى قائمة الأنشطة التي تتضمن التبرعات والإيرادات والمصروفات. ويساهم هذا التصنيف في تنظيم البيانات المالية بشكل دقيق وسهل الفهم، مما يساعد في إعداد تقارير مالية موحدة وموثوقة.
وتستفيد من المعلومات المحاسبية في هذا القطاع عدة جهات، سواء كانت جهات خارجية مثل الجهات الحكومية والمانحين والجهات التمويلية، أو جهات داخلية مثل مجلس الإدارة والإدارة العليا والإدارة المالية، حيث تُستخدم هذه المعلومات في اتخاذ القرارات وتحسين الأداء وتعزيز الحوكمة.
وفي الختام، فإن المحاسبة في القطاع غير الربحي تمثل حجر الأساس في بناء قطاع منظم وشفاف وفعّال، حيث تسهم في رفع مستوى الثقة بين الجمعيات والمجتمع، وتدعم تحقيق الأهداف التنموية والاجتماعية. كما أن تطبيق دليل الحسابات الموحد يُعد خطوة مهمة نحو تعزيز الكفاءة المالية وتحقيق الاستدامة في هذا القطاع الحيوي، بما يتماشى مع تطلعات رؤية المملكة 2030.