د حنان درويش عابد
حين نتحدث عن جوائز التميز المؤسسي في الجمعيات الأهلية، فإننا لا نتحدث عن درع يضاف إلى واجهة الجمعية، ولا عن شهادة تعلق على جدار الإدارة، ولا عن احتفالية تنتهي بانتهاء التقاط الصور وتبادل عبارات التهنئة، وإنما نتحدث عن اختبار حقيقي لقدرة الجمعية على تحويل رسالتها الإنسانية إلى ممارسة مؤسسية ناضجة، يمكن قياس نتائجها، ومراجعة أخطائها، وضمان استمرار أثرها.
ولكن هل تنجح الجوائز دائمًا في اكتشاف الجمعية الأكثر تميزًا؟ أم أنها قد تكتشف أحيانًا الجمعية الأكثر قدرة على كتابة ملف التميز؟
ذلك سؤال يستحق الوقوف عنده؛ لأن العمل الأهلي بطبيعته لا يقوم على جمال التقارير، وإنما على مقدار التغيير الذي يصنعه في حياة الإنسان. وقد تكون الجمعية بارعة في جمع الشواهد وترتيب المؤشرات، لكنها أقل براعة في الاستماع إلى المستفيد. وقد تمتلك جمعية أخرى أثرًا اجتماعيًا عميقًا، لكنها لا تمتلك الموارد البشرية أو الفنية التي تساعدها على عرض ذلك الأثر وفق اللغة التي تتطلبها نماذج الجوائز.
ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية: هل نريد من جائزة التميز أن تختار الجمعية صاحبة الملف الأفضل، أم الجمعية صاحبة الأثر الأصدق؟
التميز المؤسسي ليس موسمًا
من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الجمعيات أن تتعامل مع التميز بوصفه موسمًا يبدأ عند الإعلان عن الجائزة وينتهي بعد إعلان نتائجها، فتتشكل اللجان، وتجمع الوثائق، وتراجع الأدلة، وتكتب السياسات التي ربما ظلت غائبة عن الحياة اليومية للمؤسسة سنوات طويلة.
وفي خضم هذا الاستعداد قد يبدو المشهد كاملًا من الخارج، بينما تبقى الأسئلة المهمة معلقة في الداخل: هل يعرف الموظفون هذه السياسات؟ هل تشارك الإدارة التنفيذية مجلس الإدارة في صناعة القرار؟ هل يستفيد العاملون من نتائج قياس الأداء؟ وهل تؤدي استطلاعات رضا المستفيدين إلى تغيير حقيقي في البرامج؟
إن التميز الذي يُستدعى عند اقتراب الجائزة ثم يغادر بعد انتهائها ليس تميزًا مؤسسيًا، بل استعداد تنظيمي مؤقت. فالتميز الحقيقي لا يعيش في ملف، وإنما يسري في تفاصيل العمل، وفي طريقة إدارة الموارد، وفي عدالة القرارات، وفي احترام الموظف والمتطوع، وفي كرامة المستفيد.
الجمعية المتميزة لا تحتاج إلى إعادة بناء نفسها كلما أرادت المنافسة؛ لأنها تمارس الجودة قبل أن يُطلب منها إثباتها.
عندما تتحول المؤشرات إلى ستار
لا يمكن إنكار أهمية المؤشرات في الإدارة الحديثة؛ فما لا يُقاس يصعب تطويره، وما لا يخضع للمراجعة قد يستمر في استنزاف الموارد دون أن ينتبه إليه أحد. ولكن المؤشر، على أهميته، قد يتحول إلى ستار إذا انفصل عن المعنى الإنساني للعمل الأهلي.
فالجمعية التي تعلن أنها خدمت عشرة آلاف مستفيد قد تبدو أكثر نجاحًا من جمعية خدمت ألفًا فقط. غير أن الرقم وحده لا يخبرنا ماذا حدث لهؤلاء المستفيدين بعد تلقي الخدمة. هل تغيرت ظروفهم؟ هل ازدادت قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم؟ هل كانت الخدمة عادلة وسهلة الوصول؟ وهل حافظت على خصوصيتهم وكرامتهم؟
ليس كل ارتفاع في الأرقام دليلًا على ارتفاع الأثر؛ فقد تتوسع الجمعية في تقديم المساعدة، بينما تبقى المشكلة التي تعالجها كما هي، بل قد تتفاقم. وقد تنجح في زيادة عدد المستفيدين، لكنها تفشل في تقليل عدد المحتاجين إلى خدماتها مستقبلًا.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب جائزة التميز ليس: كم شخصًا خدمتم؟ وإنما: ما الذي تغير في حياة هؤلاء الأشخاص نتيجة ما قدمتم؟
هل تملك الجمعية شجاعة الاعتراف بالفشل؟
من المعتاد أن تعرض المؤسسات نجاحاتها عند التقدم للجوائز، وأن تختار أجمل قصصها وأقوى مؤشراتها. لكن المؤسسة التي تقدم صورة لا مكان فيها للخطأ تقدم، في الحقيقة، صورة يصعب تصديقها.
فالعمل المجتمعي يتحرك في بيئات معقدة، ويتعامل مع احتياجات متغيرة، ولا يمكن لكل مبادرة أن تنجح، ولا لكل قرار أن يكون صائبًا. ولذلك لا ينبغي أن تُعاقب الجمعية لأنها جربت ثم أخفقت، وإنما ينبغي أن تُقيّم وفق قدرتها على اكتشاف الإخفاق، وفهم أسبابه، وإيقاف الهدر، وتحويل التجربة إلى معرفة مؤسسية.
وماذا لو أضافت الجائزة معيارًا جديدًا هو «النضج في إدارة الفشل»؟ ماذا لو طلبت من كل جمعية أن تعرض مشروعًا لم يحقق أهدافه، وقرارًا تراجعت عنه، ودرسًا تعلمته، وإجراءً اتخذته حتى لا يتكرر الخطأ؟
عندها سنكون أمام جمعيات لا تتنافس في تجميل صورتها، وإنما تتنافس في صدقها مع ذاتها. فالاعتراف بالخطأ لا يهدم المؤسسة؛ الذي يهدمها هو إخفاء الخطأ حتى يتحول إلى ثقافة.
الموظف المتعب لا يصنع مؤسسة متميزة
قد تحقق الجمعية مستهدفاتها، وتتوسع في برامجها، وتحصل على شهادات الجودة، بينما يعيش موظفوها حالة من الإنهاك المستمر. وقد ترتفع إنتاجية الفرق لأن العاملين يخشون التقصير لا لأنهم يؤمنون بالرسالة. وهنا لا بد من طرح سؤال آخر: بأي تكلفة تحقق هذا التميز؟
المؤسسة التي تستنزف موظفيها ومتطوعيها لتبدو ناجحة إنما تستهلك مستقبلها من أجل صورة مؤقتة في حاضرها. فالعاملون ليسوا أدوات لإنتاج المؤشرات، بل هم الذاكرة والخبرة والطاقة التي يتحول من خلالها الهدف الاجتماعي إلى واقع.
ولهذا ينبغي أن تقيس الجائزة جودة الحياة المؤسسية، وعدالة توزيع المسؤوليات، ومستوى الأمان النفسي، وقدرة الموظف على التعبير عن الرأي والاعتراض دون خوف. فالبيئة التي لا تسمح للعاملين بقول الحقيقة لن تنقل الحقيقة إلى مجلس الإدارة، والمؤسسة التي لا تعرف حقيقتها لا تستطيع تطوير نفسها مهما كثرت تقاريرها.
المستفيد شريك في الحكم على التميز
يظهر المستفيد في كثير من التقارير عددًا أو نسبة أو قصة نجاح مختصرة، بينما يفترض أن يكون شريكًا أساسيًا في تحديد معنى الجودة. فالإدارة قد ترى البرنامج ناجحًا لأنه نُفذ في موعده وضمن ميزانيته، لكن المستفيد قد يراه معقدًا أو غير عادل أو بعيدًا عن احتياجه الحقيقي.
ولذلك لا يكفي أن نسأل المستفيد: هل أنت راض؟ لأن بعض المستفيدين قد يعبرون عن الرضا امتنانًا للخدمة أو خشية فقدانها. الأجدى أن نسألهم عن سهولة الوصول، واحترام الخصوصية، وعدالة الإجراءات، ومدى التغيير الذي صنعته الخدمة في حياتهم.
بل لماذا لا تضم لجان تقييم الجوائز ممثلين مؤهلين عن المستفيدين أنفسهم؟ ولماذا يبقى الحكم على جودة الخدمة حكرًا على الخبراء، بينما يغيب الإنسان الذي صُممت الخدمة من أجله؟
إن إشراك المستفيد ليس إجراءً تجميليًا، وإنما تصحيح لموازين القرار داخل العمل الأهلي.
الجائزة التي يتعلم منها الجميع
تظل قيمة الجائزة محدودة إذا خرج منها فائز واحد وعادت بقية الجمعيات إلى مقارها دون معرفة ما الذي ينبغي تطويره. فجوائز التميز تمتلك فرصة أكبر من مجرد ترتيب المتنافسين؛ إذ تستطيع أن تتحول إلى منصة لإنتاج المعرفة وتطوير القطاع كله.
ويمكن أن تصدر عن الجائزة تقارير سنوية تبين مواطن القوة المشتركة، والفجوات المتكررة، والممارسات التي أثبتت جدواها، من دون كشف المعلومات الخاصة بالجمعيات. كما يمكن أن تحصل كل جمعية مشاركة على تقرير تطويري واضح يساعدها على الانتقال من واقعها الحالي إلى مستوى أكثر نضجًا.
عندها لن تكون هناك جمعية خاسرة؛ فالفوز الحقيقي لا يقتصر على المركز الأول، وإنما يشمل كل مؤسسة اكتشفت ضعفًا لم تكن تراه، أو أعادت النظر في ممارسة اعتادت عليها، أو تعلمت كيف تقيس أثرها بصدق أكبر.
إن جائزة التميز المؤسسي في الجمعيات الأهلية لا ينبغي أن تكون مرآة تختار المؤسسة الأجمل، وإنما نافذة تكشف المؤسسة الأصدق والأقدر على التعلم والاستمرار.
وليس التميز في أن تمتلك الجمعية سياسة لكل شيء، بل في أن تكون السياسات حية في ممارساتها. وليس في أن تتزايد أعداد المستفيدين فقط، بل في أن تتحسن حياتهم. وليس في إخفاء الإخفاقات، بل في امتلاك الشجاعة المؤسسية لمواجهتها. وليس في إنهاك العاملين لتحقيق المستهدفات، بل في بناء بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجح دون أن يفقد طاقته وكرامته.
فإذا نجحت الجائزة في تحقيق ذلك، فإنها لن تمنح جمعية متفوقة درعًا فحسب، بل ستسهم في بناء قطاع أهلي أكثر نضجًا وأمانة وقدرة على صناعة الأثر.
وحينها لن يكون السؤال: من حصل على الجائزة؟
بل سيكون السؤال الأكثر أهمية: كيف أصبح المجتمع أفضل بسببها؟