المستشار محمد العمودي
عندما تنشغل المؤسسة بصورتها أكثر من رسالتها، وبالتصفيق أكثر من الأثر
في العلاقات الإنسانية، توصف الشخصية النرجسية بأنها تلك التي تتمحور حول ذاتها، وتبحث باستمرار عن الإعجاب، وتُفرط في حماية صورتها، بينما تصبح أقل قدرة على رؤية الآخرين أو الإصغاء إليهم بصدق.
لكن السؤال الأهم إداريا ليس: هل يوجد أشخاص نرجسيون؟
بل: هل يمكن أن تصبح المؤسسات نفسها نرجسية؟
قد يبدو السؤال مجازيا، لكنه في الواقع يصف بدقة حالة تتسلل أحيانا إلى بعض المؤسسات، حين تتحول الرسالة تدريجيا من “تحقيق قيمة حقيقية” إلى “صناعة صورة مثالية”، ومن خدمة الإنسان إلى إدارة الانطباع عنه.
المقصود هنا ليس تشخيص المؤسسات نفسيا، بل استخدام “النرجسية” كاستعارة إدارية لفهم بعض السلوكيات المؤسسية التي قد تبدو ناجحة من الخارج، لكنها تستهلك روح المؤسسة من الداخل بصمت.
حين تصبح الصورة أهم من الرسالة
كل مؤسسة تحتاج إلى السمعة الجيدة، وإلى إبراز إنجازاتها، وإلى بناء حضور إعلامي قوي.
لكن الخلل يبدأ عندما تتحول الصورة من “وسيلة” إلى “غاية”.
فتبدأ المؤسسة بالانشغال بـ:
- كيف تبدو؟
- ماذا سيقال عنها؟
- كم عدد الإشادات والمنشورات والجوائز؟
- كيف تحافظ على بريقها أمام الجمهور؟
بينما تتراجع الأسئلة الأهم:
- هل نصنع أثرا حقيقيا؟
- هل يشعر الموظفون بالإنصاف؟
- هل العميل أو المستفيد أكثر رضا فعلا؟
- هل نواجه مشكلاتنا بصدق؟
في هذه اللحظة تبدأ “الأنا المؤسسية” بالتشكل.
النرجسية المؤسسية لا تبدأ بالاستبداد… بل بالإعجاب المفرط بالنفس
نادرا ما تتحول المؤسسات فجأة إلى كيانات متضخمة ومنغلقة.
غالبا تبدأ القصة بنجاحات حقيقية، ثم بإعجاب متزايد بالذات، ثم بشعور داخلي بأنها:
- أفضل من النقد،
- أكثر فهما من الآخرين،
- أو أنها “تعرف دائما ما يجب فعله”.
ومع الوقت، يصبح الحفاظ على الصورة أهم من مراجعة الواقع.
فتظهر أعراض خطيرة مثل:
- مقاومة النقد،
- تبرير الأخطاء،
- تضخيم الإنجازات،
- إقصاء الأصوات المختلفة،
- وخلق بيئة تقول ما تحب القيادة سماعه، لا ما تحتاج إلى معرفته.
أخطر ما في الأنا المؤسسية: أنها تُضعف القدرة على التعلم
المؤسسة الصحية تتعلم.
أما المؤسسة النرجسية فتدافع عن نفسها.
هناك فرق كبير بين:
- مؤسسة تسأل: “كيف نتحسن؟”
- ومؤسسة تسأل: “كيف نحافظ على صورتنا؟”
الأولى تنمو حتى لو أخطأت.
أما الثانية فقد تبدو قوية لفترة، لكنها تصبح هشة أمام التغيير؛ لأنها تفقد أهم أدوات التطور: الاعتراف بالمشكلة.
ولهذا نجد أن بعض المؤسسات:
- تكرر الأخطاء نفسها
- تخسر الكفاءات بصمت
- تتراجع جودة خدماتها
- لكنها تستمر في إنتاج خطاب احتفالي يوحي بأن كل شيء ممتاز.
عندما يتحول الموظفون إلى جمهور
من أخطر مظاهر النرجسية المؤسسية أن تتحول العلاقة مع الموظفين من “شراكة” إلى “بحث عن الولاء والتصفيق”.
فتصبح المؤسسة:
- حساسة تجاه أي ملاحظة
- غير مرتاحة للأسئلة الصعبة
- تميل إلى مكافأة المصفقين أكثر من الصادقين
- وتربط الانتماء بالموافقة الدائمة.
ومع الوقت، يتعلم الناس داخل المؤسسة:
أن السلامة ليست في قول الحقيقة… بل في قول ما يرضي القيادة.
وهنا تبدأ المؤسسة بخسارة أهم أصولها: الثقة الداخلية.
المؤسسات الناضجة لا تخاف من النقد
القيادة الناضجة لا ترى النقد تهديدا، بل فرصة للرؤية.
ولا تعتبر الاعتراف بالخلل ضعفا، بل شرطا للنضج المؤسسي.
المؤسسات القوية فعلا ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي:
- ترى أخطاءها مبكرا
- تسمح بالأسئلة
- تراجع نفسها باستمرار
- وتفصل بين “قيمة المؤسسة” و”صورة المؤسسة”.
فالسمعة الحقيقية لا تُبنى بالتلميع المستمر، بل بالمصداقية.
السؤال الذي يجب أن تطرحه كل قيادة
ربما لا تحتاج المؤسسات اليوم إلى المزيد من الشعارات بقدر حاجتها إلى هذا السؤال الصعب:
هل ما نفعله يخدم رسالتنا فعلا… أم يخدم صورتنا عن أنفسنا؟
لأن المؤسسة التي تنشغل كثيرا بحماية صورتها، قد تفقد تدريجيا قدرتها على رؤية الواقع.
وحين يحدث ذلك، لا تصبح المشكلة في ضعف الموارد أو المنافسة أو الظروف…
بل في “الأنا المؤسسية” التي جعلت المؤسسة تسمع التصفيق أكثر مما تسمع الحقيقة.