الإدارة الاستراتيجية والتشغيلية بين المفهوم والتطبيق

د. حنان درويش عابد

تكتسب استراتيجيات الإدارة لدى المنشأة المتوسطة والصغيرة أهمية متزايدة عاماً بعد آخر من حيث فهم واستيعاب المستويات الإدارية المختلفة في تلك الشركات لمفاهيم إدارية كانت حتى وقت قريب بعيدة عن قائمة اهتمامات منشأة لطالما مارست أعمالها وفق مفاهيم تسيير الأعمال التقليدية. ونظراً لاحتدام المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، باتت تلك المنشأة على قدرٍ كافٍ من القناعة بأن إدراك فلسفيات الإدارة الحديثة نسبياً لم يعد ضرباً من الترف الفكري الإداري بقدر ما هو حاجة ملحّة اليوم لمواصلة الأعمال، ولضمان حصول تلك المنشأة على موطئ قدم في أسواق جديدة، وعدم خسارتها لمواقعها في أسواقها الحالية.

وتتناول الخطط الإدارية الاستراتيجية مفاهيم تتعلق برسالة المنشأة ورؤيتها وأهدافها لثلاث أو خمس سنوات مقبلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية تحديد الأطر الخاصة بقياس الأداء، وضمان تحقيق عناصر مقاييس الجودة التي من الضروري أن تكون مصاحبة لتنفيذ المشاريع. أما الخطة التشغيلية والتي تعرف أيضاً باسم “خطة العمل”، فتعتبر بمثابة مخطط عمل تقوم منشأة ما برسمه ووضع عناصره ومكوناته لتنفيذ استراتيجياتها على المستوى القصير وفي مدة قد لا تتجاوز العام الواحد.

ومن هنا فإن الخطة الاستراتيجية تعتبر بمثابة نظرة على المستقبل برؤية قادرة على سبر أغوار الحاضر وتطويعه لتحقيق منجزات عالية القيمة على المستوى البعيد. أما الخطة التشغيلية فتتعامل مع الأهداف اليومية والأسبوعية. وهكذا فإن الخطتان تمتلكان سياقات مختلفة تقود إلى اعتماد مؤشرات توجيهية محددة لكل خطة، من أجل ضمان التطبيق الدقيق لمرتكزات كل خطة والوصول إلى المخرجات النهائية المطلوبة.

وعلى صعيد السياقات المتعددة لكلا الخطتين، فمن المهم ملاحظة أن الخطة الاستراتيجية تستند إلى رؤية الإدارة العليا في المنشأة على عكس الخطة التشغيلية والتي ترتكز على رؤية مدراء الأقسام الإدارية التي تقوم بدور تنفيذي حيث تتعاون الإدارات المختلفة في تحقيق الرؤية الاستراتيجية التي تضعها الإدارة العليا.

ويقوم بوضع الخطة الاستراتيجية فريق قيادة رفيع المستوى، وعلى درجة عالية من التأهيل والخبرة والممارسة الإدارية طويلة الأمد، وهي السمات التي يكتسبها ذلك الفريق من خلال التراكم الذي يتعلق بممارساته الإدارية لعدة سنوات ما من شأنه أن يمكنه من الوصول إلى مرحلة عالية من فهم المرتكزات الفكرية الإدارية اللازمة لتكوين رؤية استراتيجية يتم رسمها لتقوم الفرق الإدارية المختلفة في المنشأة بتنفيذها.

من جهةٍ أخرى، فإن الخطة التشغيلية لمنشأة ما، تتطلب أن يكون لكل إدارة قائد قادر على صناعة تجانس إداري وتكامل تشغيلي بين إدارته وبقية إدارات المنشأة الأخرى، وأن يقوم بترجمة الأنشطة التشغيلية اليومية والأسبوعية إلى مخرجات مشتركة بين إدارته وبقية الإدارات الأخرى.
كما تهتم الخطة الاستراتيجية بالميزانية الاستراتيجية العامة وهي الميزانية التي يتم وضعها لتغطية كافة المشاريع والمبادرات الاستراتيجية التي تقوم بها المنشأة ، بينما تأتي الميزانية التشغيلية كتعبير عن حجم الإنفاق التشغيلي لعام واحد على سبيل المثال. وعلى صعيد التقرير الاستراتيجي فهو تقرير يتم كتابته سنوياً أو بشكل ربع سنوي، من قبل لجنة التخطيط الاستراتيجي أو بواسطة الفريق التنفيذي، ويبين ذلك التقرير الملامح العامة والتفصيلية لأداء المؤسسة وفقاً لأهدافها الاستراتيجية التي تم وضعها مسبقاً. أما التقارير التشغيلية فقد تمتد لتغطية عشرات أو مئات المشاريع التي تعمل على تنفيذها إدارات المنشأة المختلفة، وعادةً ما يتم كتابة هذه التقارير شهرياً.

إن التخطيط الاستراتيجي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع التخطيط التشغيلي فلكل منهما دوره الخاص في نجاح المنشأة وفي تحقيق أهدافها التي وضعتها الإدارة العليا وعلى مستوى إنجاح مساعي الإدارات المختلفة في تنفيذ الاستراتيجيات العامة من خلال الأدوات التي لها القدرة على تنفيذ عناصر ومتطلبات التخطيط التشغيلي التي تقوم ا المنشأة برسمها لكي توضع موضع التنفيذ.

شارك المنشور

مقالات اخرى