د. حنان درويش عابد
في الجمعيات الأهلية لا نعيش مجرد دوامٍ وظيفي، بل نعيش حياة مؤسسية حقيقية؛ حياة تتجاوز حدود إنجاز المهام اليومية إلى التفاعل الإنساني، والالتزام القيمي، والشعور بالمسؤولية تجاه رسالة مجتمعية أسمى. فعلى عكس النظرة التقليدية للعمل بوصفه ساعات أداء تنتهي بالانصراف، بات العمل الأهلي – لا سيما في العقود الأخيرة – يحمل أبعادًا نفسية واجتماعية أعمق، أعادت تشكيل فهم بيئة العمل من منظور إنساني ورسالي.
ومن الملاحظ أن بيئة العمل في الجمعيات الأهلية أصبحت تُدرك من قِبل العاملين فيها على أنها بيئة اجتماعية متكاملة، يتنامى داخلها شعور الانتماء، ويُنظر فيها إلى فريق العمل باعتباره كيانًا واحدًا متماسكًا، أشبه بأسرة تجمعها القيم قبل اللوائح، والهدف قبل المنصب. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن طبيعة العمل الأهلي القائم على الرسالة المشتركة، وخدمة المستفيد، وتحقيق الأثر الاجتماعي، إلى جانب الاعتماد المتزايد على العمل الجماعي، والتكامل بين الأدوار، والتحفيز القائم على المعنى لا على العائد المادي فقط.
هذا الواقع الجديد شكّل تحديًا حقيقيًا لبعض القيادات التي ما زالت تُدير الجمعيات بعقلية إدارية تقليدية، في حين تحوّل إلى فرصة استراتيجية لقيادات أخرى أدركت أن نجاح الجمعيات الأهلية لم يعد يُقاس فقط بحجم المشاريع، بل بجودة البيئة الداخلية، واستقرار فرق العمل، وقدرتها على اتخاذ قرارات متوازنة تخدم الإنسان قبل النظام.
وعند تناول هذا المفهوم في السياق الأهلي، يصبح من الواضح أن إدارة الجمعية بروح القيادة المجتمعية هي النهج الأكثر ملاءمة لتعزيز جودة القرارات المؤسسية. فالقائد في الجمعية الأهلية لا يُدير موظفين فحسب، بل يقود منظومة إنسانية متعددة الأطراف: مجلس إدارة، فريق تنفيذي، متطوعين، مستفيدين، وجهات داعمة. وكل قرار لا يُراعي هذا التوازن قد يُضعف الأثر، حتى وإن بدا صحيحًا إداريًا.
ومن خلال هذا الإدراك العميق لطبيعة البيئة الداخلية في الجمعيات، تتمكن القيادات الواعية من صياغة معايير عمل مؤسسية منسجمة مع القيم، ومرنة مع المتغيرات، وقابلة للتطوير المستمر، بل ويمكنها الانتقال بالجمعية من مجرد كيان خدمي إلى نموذج اجتماعي مؤسسي يمتلك بصمته الخاصة، ويعكس رؤية قيادته في أسلوب العمل، ونمط التواصل، واتجاهات اتخاذ القرار.
وعليه، فإن القرارات المؤسسية السليمة في الجمعيات الأهلية ليست قرارات جامدة أو نمطية، بل قرارات واقعية، منفتحة على التغيير، متوافقة مع متطلبات الحوكمة، وقادرة على التفاعل مع تحديات التمويل، وتنوع أصحاب المصلحة، وتسارع التوقعات المجتمعية. وهي قرارات تتجاوز التفكير التقليدي، وتنطلق نحو مساحات أوسع من الإبداع، والتحسين، وتعظيم الأثر الاجتماعي.
وتبقى القرارات المؤسسية الرشيدة هي رأس الحربة في تعزيز استدامة الجمعيات الأهلية، ولا يمكن مواجهة التنافسية المتزايدة على الموارد والثقة المجتمعية إلا من خلال إدارة واعية تتخذ قرارات عادلة، تحقق مصالح الجمعية، وتحفظ حقوق العاملين، وتُعلي من قيمة المستفيد، دون تغليب طرف على حساب آخر. فحين تتوازن القرارات، تستقر المؤسسات، وحين تستقر، تُحدث الأثر الذي وُجدت من أجله.